البكري الدمياطي

236

إعانة الطالبين

بالحرس ففتشوه ، وإذا بالقرصين معه ، فقالوا له : من أين لك هذا ؟ فقال : أطعمتني فلانة . فانصرفوا به إليها ، فقالوا لها : أنت أطعمته هذين القرصين ؟ قالت : نعم . قالوا لها : أو ما علمت أن الملك حرم إطعام المساكين ؟ قالت : بلى . قالوا : فما حملك على ذلك ؟ قالت : رحمته ، ورجوت أن يخفي ذلك . فذهبوا بها إلى الملك ، وقالوا : هذه أطعمت هذا المسكين قرصين . فقال لها : أنت فعلت ذلك ؟ فقالت : نعم . فقال لها الملك : أو ما كنت علمت أني حرمت إطعام المساكين ؟ قالت : نعم . قال : فما حملك على هذا ؟ قالت : رحمته ، ورجوت أن يخفي ذلك ، وخفت الله فيه أن يهلك . فأمر بقطع يديها ، فقطعتا . وانصرفت إلى منزلها ، وحملت ابنيها حتى انتهت إلى نهر يجري ، فقالت لاحد ابنيها : اسقني من هذا الماء . فلما هبط الولد ليسقيها غرق ، فقالت للآخر : أدرك أخاك يا بني ، فنزل لينقذ أخاه ، فغرق الآخر ، فبقيت وحدها ، فأتاها آت ، فقال ، يا أمة الله ما شأنك ههنا ؟ إني أرى حالك منكرا فقالت : يا عبد الله ، دعني ، فإن ما بي شغلني عنك . فقال : أخبريني بحالك . قال : فقصت عليه القصة ، وأخبرته بهلاك ولديها ، فقال لها : أيما أحب إليك ؟ أأرد إليك يديك ؟ أم أخرج لك ولديك حيين ؟ فقالت : بل تخرج ولدي حيين . فأخرجهما حيين ، ثم رد عليها يديها ، وقال : إنما أنا رسول الله إليك . بعثني رحمة لك ، فيداك بقرصين ، وابناك ثوابا لك من الله تعالى ، برحمتك لذلك المسكين وصبرك على ما أصابك . واعلمي أن زوجك لم يطلقك ، فانصرفي إليه فهو في منزله ، وقد ماتت أمه . فانصرفت إلى منزلها ، فوجدت الامر كما قيل لها . وما أحسن قول بعضهم : جعلت على لطفك المتكل * وأعرضت عن فكرتي والحيل وما دام لطفك لي لم أخف * عدوا إذا كادني أو خذل ولطفك رد الذي اختشى * كما كشف الضر لما نزل ويا سيدي كم مضيق فرجت * بلطف تيسره من عجل ملاذي ببابك لا حلت عنه * ويا ويح من عنه يوما عدل وقفت عليه بذل السؤال * وما خاب بالباب من قد سأل ( قوله : وقد تجب ) أي الصدقة . أي وقد يعرض لها ما يجعلها واجبة ، وقد يعرض لها أيضا ما يجعلها حراما ، كأن علم أو ظن من الآخذ أنه يصرفها في معصية ، وكالذي سيذكره المؤلف . ( قوله : كأن يجد مضطرا ) إلخ تمثيل للصدقة الواجبة ، وفيه أن المضطر لا يجب البذل له إلا بثمنه ، فكيف يكون صدقة . وعبارة التحفة لا يقال تجب للمضطر ، لتصريحهم بأنه لا يجب البذل له إلا بثمنه - ولو في الذمة - لمن لا شئ معه . نعم ، من لم يتأهل للالتزام يمكن جريان ذلك فيه ، حيث لم ينو الرجوع . اه‍ . ومثله في النهاية . وكتب سم : قوله : يمكن جريان ذلك ، ما نصه : فيه نظر دقيق . فتأمله . اه‍ . قال الرشيدي : وكأن وجه النظر أنه صار بالقيد المذكور مخيرا بين الصدقة وبين دفعه بنية الرجوع فلم تجب الصدقة عينا ، فساوى المتأهل ومن له ولي حاضر ، إذ لا خفاء أنه مخير فيه أيضا بين الصدقة وبين البذل بعوض . اه‍ . ( قوله : ومعه ما يطعمه ) الواو للحال . وما : واقعة على طعام . والفعل يقرأ بضم أوله وكسر ثالثه - من أطعم . والتقدير : والحال أن عنده طعاما يطعمه لذلك المضطر ، فإن لم يكن عنده ذلك لا يجب عليه التصدق . ( وقوله : فاضلا عنه ) منصوب على الحال من الضمير البارز في الفعل العائد على ما الواقعة على طعام . أي حال كون ذلك الطعام فاضلا عنه ، أي عن طعامه . أي وطعام ممونه حالا ، فإن لم يفضل عن ذلك لا يجب التصدق به . وفي التحفة - في باب السير - ما نصه : والحاصل أنه يجب البدل هنا - أي للمحتاجين - من غير اضطرار بلا بدل ، لا مطلقا ، بل مما زاد على كفاية سنة ، وثم - أي في المضطر - يجب البذل بما لم يحتجه حالا ولو على فقير ، لكن بالبدل . اه‍ . بتصرف . ( قوله : ويكره